الشيخ السبحاني
55
قاعدتان فقهيتان
اما أولا : فان منصب الحكم وان كان لا ينفك عن نصب وعزل وامر ونهي مع وجوب طاعة الناس لما يصدر عنه ، إلّا ان الأوامر المناسبة لذاك المنصب هي الأوامر التي تصدر بصورة جزئية ولا تدخل تحت ضابطة ، وتختلف صورها باختلاف الظروف ، كعزل وال ونصب آخر مكانه ، وما يرجع إلى كيفيات القتال ، وحبس المتهم أو اطلاقه ، وعقد اتفاقية مع قوم أو نقضها ، وكتقسيم أراضي بني النضير بين المهاجرين ، إلى غير ذلك من الأمور التي يلزم تنفيذها حفظا للأحكام الكلية الإلهية وصيانة لها . وبما ان تلك الأحكام المزبورة لا تدخل تحت ضابطة خاصة ، وربما تقتضي المصلحة الأمر بالشيء وأخرى النهي عنه ، وقد جاء الوحي الإلهي ملزما بتنفيذ ما أتى الرسول به وما نهى عنه قائلا « وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا » ( الحشر / 7 ) ، فالمولى سبحانه فوض حكم تلك الموارد الجزئية إلى ولي الأمر لا بصورة فوضوية بل في اطار مصلحة الأمة مع عدم مخالفة ما يأمر وينهى للأحكام الكلية الشرعية . وقوله سبحانه « وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ » ( الأحزاب / 36 ) ، راجع إلى القضاء في هذه الموارد . وأما الأحكام الكلية ، كالنهي عن الضرر والضرار ، والحرج والمشقة ، التي لا تختص بمكان دون مكان ولا زمان دون زمان ، حيث إن الاضرار قبيح والايقاع في الحرج لا يوافق الفطرة ، ففي مثلها يكون الحكم إلهيا ناشئا من ملاحظة المصالح والمفاسد الكلية دون الوقتية والزمنية ، لا حكما سلطانيا صادرا عن المنصب الموهوب للنبي صلى اللّه عليه وآله . ويؤيد ذلك ان في قصة سمرة احكاما سلطانية لها طابع الجزئية والوقتية ، كأمره بالاستئذان وقلع الشجرة ورميها في وجهه ، صدرت لحفظ الحقوق أو لقلع جذور الفساد . واما قوله : « لا ضرر » فهو حكم الهي له طابع الكلية والدوام وهو المصحح للأوامر السلطانية الجزئية .